عاد نتنياهو وحطم الحواجز

09 نوفمبر, 2022 08:18 صباحاً
القدس عاصمة فلسطين/ دولة فلسطين

نبض الحياة

رام الله -ازمة المشروع الصهيوني الكولونيالي اعمق واكبر من كل الشخصيات والزعماء، وان كان لهم اسهام في تعميق الازمة العامة، والأزمات المتعاقبة في المحطات التاريخية من سيرورة وصيرورة المشروع الصهيوني. لكن الأساس المتجذر في الازمة يكمن في الظاهرة التي مثلها المشروع، والتي حملت تناقضاتها العميقة منذ لحظة نشوئها كفكرة، وفي طبيعة تركيبة المشروع كأداة وظيفية، والمركب على أسس ميثولوجية خزعبلاتية اسطورية اعتمدت المقولة الدينية لحشد وتجميع مجموعات من المرتزقة، او المضللين من شعوب الأرض المختلفة لتشكيل ما اطلق عليه "الشعب اليهودي"، الذي لا يمت بصلة لمرتكزات وجود مطلق شعب من شعوب الأرض، ولا يستقيم في تطوره المشوه، وغير الطبيعي مع سياقات التطور الاجتماعي الاقتصادي والثقافي للشعوب التي تشكلت عبر مراحل التاريخ، وشكلت هوياتها القومية وموروثاتها الحضارية عبر الحقب المتلاحقة من دورة الحياة الإنسانية.
وجاء الزج والتلصيق للمجموعات البشرية من قارات ودول العالم المختلفة من اتباع الديانة اليهودية ليس بهدف حل المسألة اليهودية، وانما لحل ازمة دول الغرب الرأسمالي من اتباع الديانة اليهودية، واستعمالهم في خدمة اهداف وغايات الغرب الاستعماري في الوطن العربي، بعد ان تم ربط الفكرة الدينية مع المسألة الاقتصادية السياسية والأمنية، وهذا ما أكدته المحطات التاريخية منذ المؤتمر الأول للصهيونية في بازل 1897، وما تلا ذلك من ارهاصات وتراكمات تدريجية منذ مطلع القرن العشرين في 1905/ 1907 في مؤتمر كامبل نبرمان، والحرب العالمية الأولى 1914 /1918 واثناءها بلورت اتفاقية سايكس بيكو 1916، ثم وعد بلفور 1917، ومؤتمر سان ريمو 1920، وصك الانتداب 1922 وقرار التقسيم 181 عام 1947، ثم إقامة دولة المشروع الاستعماري الإسرائيلي في فلسطين عام 1948 على انقاض نكبة الشعب العربي الفلسطيني، والقائمة حتى الان.
بيد ان الازمة العميقة المتفشية في جسد الحركة الصهيونية ودولتها الكولونيالية، إسرائيل لم تغادرها، ولم تتمكن في العقود الماضية، رغم ما حققته من تطور اقتصادي وعسكري بفضل دعم دول الرأسمالي الغربي بالتعافي منها، او إيجاد حلول لتعاظمها، بل العكس صحيح، تعمقت الازمة اكثر فاكثر. وبالتالي كان صعود الفاشية، وتعمق الانقسام والتناقضات التناحرية داخل هياكلها الاجتماعية والمؤسساتية الدينية والطائفية والمذهبية والاثنية، وتمظهر الفساد والرشوة والجريمة المنظمة، والإرهاب الدولاني بكل صنوفه، وغياب القانون والقضاء، وسيادة النهب واللصوصية واغتصاب مصالح وحقوق أبناء الشعب العربي الفلسطيني والتجارة بالدين والأعضاء البشرية .. الخ كان امرا طبيعيا، ومنطقيا، ويتواءم مع سيرورة المشروع الكولونيالي.
وعليه فإن صعود وبقاء بنيامين نتنياهو على راس الحكم لخمس دورات حكومية سابقة، وثم الصعود مجددا بعد عامين من الاقصاء لسدة الحكم، هو احد اشكال الانعكاس للازمة الاستعمارية الإسرائيلية الصهيونية. ولم يكن نتنياهو هو المسبب للازمة، انما هو احد تجلياتها، ومظاهرها الأكثر افلاسا أخلاقيا وقيميا وقانونيا لدولة تحمي لصا وخائنا للامانة ومرتشي، وتمنحه الحصانة والمكانة البرلمانية الأولى للجلوس على كرسي السلطة التنفيذية ليجول ويصول في فساده، ويقضي هو واقرانه من اليمين المتطرف والحريديمي والفاشيين على ما تبقى من ركائز الدولة الصهيونية الاستعمارية. وهو المآل الطبيعي للدولة اللا شرعية، والمركبة من فسيفساء اثنية متناقضة ومتصارعة، فضلا عن صراع الأغنياء والفقراء، والغربين والشرقين، والعلمانيين والمتدينين .. الخ من اشكال التناقضات.    
ومع ذلك، لابد من الإقرار سلفا، بان الملك بنيامين نتنياهو، زعيم الليكود شكل حالة متميزة في الشارع الإسرائيلي، ليس لانه تفوق على بن غوريون، اول رئيس وزراء في زمن توليه الحكم في إسرائيل، ولا كونه فاسدا، ومتهما بقضايا خيانة الأمانة والرشوة في اربع قضايا هامة وبعضها خطير ويمس الامن الاستراتيجي الإسرائيلي، انما لانه تمكن ببرعاته من تجاوز وتخطي كل العقبات والحواجز، والصعود مجددا لكرسي الحكم، ليس هذا فحسب، بل انه عزل خصومه ومنافسيه داخل الحزب والساحة الإسرائيلية، وحاصرهم، وحاصر القضاء، وعاد متوجا ب64 مقعدا للكنيست ولشارع بلفور.
اذا ازمة إسرائيل الاستعمارية ليست ازمة شخص على أهميته، انما هي ازمة اعمق واخطر وابعد من بيبي، وكل من يقع في خطئية التوصيف الساذج لمظاهر الازمة الاقتصادية والاجتماعية والدينية والقانونية والثقافية والتربوية والديمقراطية، يعكس فقر حال فكري سياسي واجتماعي، والسقوط في متاهة الشخصنة، التي تعبر عن افلاس عميق في قراءة اللوحة الإسرائيلية بزواياها المتعددة.
[email protected]
[email protected]

كلمات مفتاحية

الأخبار

فن وثقافة

المزيد من الأخبار