غزة -كتب الدكتور الباحث معين أحمد برغوث : في قلب قطاع غزة المحاصر، وبين أنين المرضى وضجيج الغارات، هناك صمت لا يُلتفت إليه كثيرًا… صمت الألم الساكن في أفواه الناس. حيث أصبح علاج الأسنان، وهو من أبسط حقوق الإنسان الصحية، رفاهية منسية، وعبئًا لا مكان له في خريطة أولويات الطوارئ.
هذا الصمت، الذي لا تصاحبه صرخات واضحة، يخبئ وراءه واحدة من أخطر الكوارث الصحية غير المعلنة في غزة.
---
"عيادات" تُعيد إنتاج المرض
في معظم المناطق المنكوبة داخل غزة، تعمل ما يُسمى بعيادات الأسنان في ظروف تخالف جميع المعايير الطبية العالمية:
معدات بلا تعقيم، أو بأجهزة لا تعمل بسبب انقطاع الكهرباء.
مواد منتهية الصلاحية تُستخدم بشكل يومي في الحشوات والعلاجات.
بيئة تفتقر إلى شروط العدوى الأساسية.
المثير للصدمة أن فحوصًا ميدانية عشوائية أجريت على أدوات ومحيط بعض هذه العيادات أظهرت تلوثًا بفيروسات خطيرة، من بينها فيروس شلل الأطفال وفيروس الكبد الوبائي.
أين تُعالج الناس إذًا؟ في مراكز طبية؟ أم بؤر نشطة للأوبئة تحت يافطة "الخدمات الصحية"؟
---
الطفل الذي يوشك أن يصرخ: "خذوني من هنا"
لو قُدّر لطفل في مخيم أن ينطق بما يشعر به داخل إحدى هذه "العيادات"، لقال ببساطة:
> "هذا ليس علاجًا… هذا تعذيب لا يراه أحد."
فالوجع لا يُسكَّن، والأدوات لا تُنظّف، والطبيب عاجز، والمريض خائف.
وكل من يتجاوز هذا الباب، لا يعرف هل سيخرج معافى… أم محمّلًا بعدوى لا تُكتشف إلا بعد فوات الأوان.
---
من نلوم؟ ومن يحاسب؟
هل نلوم المؤسسات الدولية التي لا تُدرج خدمات الأسنان ضمن "الأولويات الطارئة"؟
أم نلوم بعض مقدّمي الرعاية الذين انسحبوا إلى عياداتهم الخاصة، وتركوا آلاف المرضى دون دعم؟
أم نوجّه السؤال إلى النظام الصحي المحلّي الذي لم يضع ضوابط حقيقية لهذا القطاع المنهك؟
أم إلى الجهات الإعلامية والحقوقية التي فشلت في إيصال حجم الكارثة؟
بغض النظر عن الإجابة، النتيجة واحدة: قطاع طب الأسنان في غزة مُهمّش، مُستنزف، ومُعرّض للانهيار الأخلاقي والمهني الكامل.
---
الحق في الابتسامة… ليس رفاهية
يعتقد البعض – للأسف – أن عيادات الأسنان ليست من الأولويات في الأزمات.
لكن الحقيقة أن:
علاج الأسنان لا يقل أهمية عن الجراحة أو التوليد.
ألم الضرس قد يؤدي إلى التهابات قلبية، تعفن دم، أو اختناق في حالات العدوى.
الصحة الفموية ترتبط مباشرًة بالتغذية، المناعة، الصحة النفسية، والكرامة الإنسانية.
والأهم من ذلك كله: تكلفة تجهيز عيادة أسنان ميدانية أقل بكثير مما يُعتقد، ولا تختلف عن أي نقطة طبية ميدانية صغيرة.
---
الرسالة العاجلة: لا تُطفئوا الابتسامات أكثر
لا مبرر واحد منطقي أو إنساني يفسر غياب الدعم لطب الأسنان في غزة.
وكل تأخير في التدخل، هو مساهمة غير مباشرة في تفشي أمراض مزمنة وصامتة، ستحمل المجتمعات ثمنها لاحقًا.
> نحتاج إلى عيادات أسنان ميدانية، معقمة، فاعلة، ومجانية.
نحتاج إلى فهم جديد لطبيعة الاحتياجات الإنسانية في غزة.
ونحتاج، قبل كل شيء، أن نُعيد لهذه الوجوه حقها في الابتسامة… لا الألم.