بعد الصمت: معركة الوجع المستجدّة.... الحرب التي لم تنتهِ بعد
22 اكتوبر, 2025 10:32 صباحاً
روان وجدي جودة
غزة - حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، لم تنتهِ الحرب حقًا. فوقف القصف لم يكن كفيلاً بإسكات أصوات الألم أو إغلاق صفحات الحزن. بل بدأت معركة جديدة — حرب على الذاكرة، على القلوب، على الروح التي لا تزال تنبض بأملٍ لا يُقتل. كل واحدٍ منا يعاود مواجهة الفقد مجدداً: من ما زال تحت الركام، من ينتظر اتصالًا من خلف قضبان الاحتلال، أو من يهيم في دروب الانتظار. قلوب معلّقة على وعود، على أخبار، على صورةٍ قد تعيد إلينا روحًا غابت.
وبعد أسبوع من تنفيذ بنود صفقة التبادل، سلّم الاحتلال ما لا يقل عن ثلاثمئة جثمان من شهداء السابع من أكتوبر.
جثث بلا أسماء... وقلوب تبحث عن الأمل
في قلب هذه المأساة، جاءت صور الجثامين المسلّمة لتفتح جرحًا جديدًا
جثامين بلا ملامح، بلا أسماء، بلا هوية — كأن القسوة بلغت ذروتها في قدرتها على نزع الإنسان من ملامحه.
تخيّل أن أمًا تُرسل قلبها قبل عينيها لترى إن كان ابنها بين تلك الصور، أن أباً يُجبر على تصفّح الجثث على شاشة، يأمل في لمحة أو إشارة تُخبره: هذا هو.
الصليب الأحمر أتاح رابطًا يُعرَض فيه صور الجثث، مشاهد تُقصي العقل عن التصوّر: يُحكم على العائلات أن تبحث بعينٍ تنوء بثقل الحزن.
المشهد مؤلم لدرجة أن العقل يتراجع عن محاولة تصوّره: جثث تُظهر آثار التعذيب، أيدي مقطوعة، وجوه مشوّهة، قرنيات منزوعه، أعضاء مسروقة ومحشوة بالقطن، أجساد مغلّفة بأكياس بدل التوابيت…
علي... وجه الحياة الذي غاب
من بين تلك العائلات التي تصفّحت الصور بحثًا عن أمل... كانت عائلتنا
اليوم، وبعد سنتين من الانتظار الموجِع، التقينا بعلي... لكن ليس كما تمنّينا.
التقينا بجثّته — صامتة، بلا ملامح، بلا الحياة التي كانت تملأ البيت دفئًا.
علي، ابن عمي، صاحب الملامح الملائكية والوجه الذي يشع نوراً التي كانت تبعث الحياة فينا، غاب سنتين،
لكن صوته ظلّ حيًا في ذاكرتنا، حتى باغتنا هذا اللقاء المكسور.
زوجته كانت تُخبر طفليهما كل ليلة أن "بابا راجع"،
أن العيد القادم سيحضنهما معًا.
حسون ابن الخمس سنوات، ويزن ابن الثلاث، ناما على قصص الأمل، واستيقظا اليوم على وجع الحقيقة.
أي قلب يحتمل هذا الوداع؟ وأي صبرٍ يقدر أن يُجفف هذا الدمع؟
علي لم يكن مجرد بطل مقاوم، بل كان روحًا تنبض بالحياة أينما حلّ.
كان أبًا حنونًا، وابنًا بارًا، وأخًا سندًا، وزوجًا مُحبًا، وابتسامة لا تُنسى.
لكن الاحتلال، كعادته، لا يكتفي بإطفاء النور... بل يُمعن في إنتهاك حرمة الشهداء.
العدالة المفقودة والظلم الذي يعتدي على الإنسانية
في الوقت الذي ارتفعت فيه أصوات العالم مطالبةً بالإفراج عن الرهائن،
كان أسرانا يُعذَّبون في الزنازين، يُعزلون، يُحرَمون من النور، ويُتركون للموت البطيء خلف القضبان.
وفي الوقت ذاته، كان الاحتلال يستقبل أسراه بالزغاريد والاحتفالات،
بينما كانت أمهاتنا يفتشن في صور الجثامين،
قلوبهنّ تتلوّى وعيونهنّ تنزف، بحثًا عن بصيص أمل... أو حتى وداعٍ أخير.
أهذه هي العدالة التي يتغنّى بها العالم؟
أين العدالة الدولية من هذه المشاهد التي تعجز اللغة عن وصف قسوتها؟
أين الضمير الإنساني حين تُهان أجساد الشهداء وتُسرق أعضاؤهم؟
ما فعله الاحتلال لا ينتهك فقط الأعراف الأخلاقية، بل يتعدى على القوانين الدولية التي تكفل احترام جثامين الشهداء.
ذكراهم بصمة لا تُمحى
انتهت الحرب، لكن ذاك الحادث المؤلم لم يُطوى. رجعت البيوت تحكي حكايات العزاء، وكأننا لم نبرح في الجسد بل ما زلنا في انتظار الروح. من بَقِي منهم نُجدد العهد أن تكون ذكراهم بصمة حياة،
سيبقى حياً فينا، في ضحكة حسون، وعين يزن، وفي كل قلب لم ينسَ أن الشهداء لا يموتون.
الذاكرة التي تُقاتل النسيان
قد يحاول البعض طمس الحقيقة، دفنها تحت الركام أو خلف عناوين الأخبار العابرة، لكن ذاكرة الشعوب لا تموت.
هي الذاكرة التي تحفظ وجوه الشهداء، وأصواتهم، وضحكاتهم التي سبقت الرصاص.
هي ما يجعلنا ننهض في كل مرة نحاول فيها لملمة الفقد.
فليس البقاء هو أن نعيش فقط، بل أن نحمل رسالتهم في كل خطوة، في كل كلمة، في كل حلمٍ نرفض أن يُسرق منا.
نكتب عنهم لأننا نؤمن أن الذاكرة شكلٌ من أشكال المقاومة،
وأن الحكاية إن صمتت يومًا، فإن التراب نفسه سينطق.
روان وجدي جودة
كلمات مفتاحية
الأخبار
الاحتلال يخطر بهدم 5 مساكن مأهولة وثلاثة منشآت زراعية في مسافر يطا جنوب الخليل
25/06/2026 11:16
129 قتيلا منذ بداية العام: مقتل شابة بجريمة إطلاق نار في الرملة بأراضي الـ48
25/06/2026 11:14