رسائل مناظرات شعبان

19 نوفمبر, 2022 09:35 صباحاً
القدس عاصمة فلسطين/ دولة فلسطين

نبض الحياة

رام الله -ارسل لي الصديق المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان، كتابة "دين العقل وفقه الواقع"، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت الطبعة الأولى حزيران / يونيو 2021 قبل شهر، الذي جاء على شكل مناظرات مع السيد احمد الحسني البغدادي في ثمانية عشر ثيمة شملت عناوينا أساسية في الدين الإسلامي وطوائفه ومذاهبه، منها: الايمان واللا ايمان، الدين والإرهاب، والدين والعنف، الدين بين المقدس والمدنس، في النقد والنقد الذاتي ل"رجال الدين"، في نقد مبدأ "التقليد"، الطائفية والتمذهب، الشيعية السياسية "البيان" و"البيت"، الفدرالية والفدرلة والتقسيم، مصادر التشريع والاجماع والشهرة، والردة والمرتد وما في حكمها، وتوقف في ثيمة امام الفتاوي وتداعياتها الخطرة، وأيضا سلط الضوء على مكانة ودور المرأة في المجتمع، وكشف عورة من يعتبرها "عورة" و"ناقصة" عقل ودين .. الخ
جال مبحرا في مناظراته مع السيد البغدادي على مساحة الكتاب بصفحاته ال319 صفحة من القطع الكبير، الذي تربطه به علاقات جيره ومودة وصداقة، ولكن من موقع الاختلاف. لا سيما وان الكاتب يقف على الجانب الاخر من المعرفة والفلسفة التنويرية، او كما يصف نفسه ب"التاريخي الجدلي" بعد ان تخلى عن البعد الالحادي، واذا جاز لي توصيف شعبان، فهو اقرب للمدرسة المزواجة بين الهيغيلية والفيورباخية.وبالضرورة الماركسية.
وانا في قراءتي للحوار بين المفكر والعالم الإسلامي بهذه العجالة، لن اقف امام التفاصيل، ولن آخذ الثيمات بالتسلسل، وانما حرصت على استنباط الرسائل، التي أرادها المؤلف، ومنها: أولا الفرق بين الدين الشعبي، دين العامة من الناس، وبين التدين الحزبي السياسي، الذي سطى على الدين للمتاجرة به. ونتج عن ذلك ظواهر خطرة جدا في المجتمعات، من افرازاتها في العقد الاخير منظمات التكفير والتخوين مثل "داعش" و"النصرة"، والقوى المناظرة لها على الجانب الشيعي (التي لم يسمها الكاتب او رجل الدين) كاحزاب الله، والحشد الشعبي ... الخ؛ ثانيا العودة لجذر الإسلام، بمعنى رفض وجود وسيط بين الانسان وخالقه، واتباع ما حملته آية الإخلاص "الله واحد احد، لا شريك له، ولم يلد ولم يولد." ونفي كل البدع في الدين الإسلامي والأديان السماوية الأخرى؛ ثالثا بالتالي رفض التقسيم الطائفي والمذهبي. لا سيما وان القواسم المشتركة بين اتباع الدين الإسلامي واسعة جدا، وتزيد على 80% والفوارق محدودة وضيقة؛ رابعا رفض الجمود والتكلس والتخندق في زمن السلف الصالح، مع ضرورة التمسك بالايجابي، ونفي واسقاط السلبي، وفتح باب العقل والتنوير، ومواكبة روح العصر للنهوض بالمجتمعات العربية؛ خامسا بالاتكاء على ما تقدم، اعتماد قاعدة أساسية للانطلاق في محاكاة الدين وتعاليمه، التي تقوم على رفض جمود وسكون الزمان والمكان، لانهما ليسا ثابتين، وانما متحركان، وما كان يصلح في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم جميعا لا يصلح في هذا الزمان، ولا في المكان. لان الشروط الذاتية والموضوعية تغيرت، بتغير المجتمع وتطوره العاصف؛ سادسا تكريس لغة التسامح والتعايش والمواطنة بين أبناء الشعب الواحد والأمة العربية، وبين اتباع الديانات السماوية والفرق والأحزاب الوضعية المختلفة. ورفض الاقصاء والتكفير والتخوين والإرهاب بكل مسمياته واتباعه دولا ومنظمات وجماعات واشخاص؛ سابعا لعبت وتلعب قوى الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة دورا أساسيا في تعميق الانقسام بين اتباع الدين الإسلامي بفرقه ومدارسه المختلفة، ودس الفتن بينهم، ليس هذا فحسب، بل قامت بانشاء ودعم منظمات تكفيرية لتحقيق أهدافها الاستعمارية لنهب ثروات شعوب الامة، وإبقاءها في حالة ضياع وتفتت وتمزق وفشل، وعدم السماح للشعوب العربية بالتطور والنهوض بطاقاتها وكفاءاتها البشرية ومقدراتها وثرواتها الطبيعية؛ ثامنا رفض ظاهرة الفتاوي العبثية، التي نتجت عن سطوة الهزيمة والتراجع والتخلف والفقر والفاقة والجوع، وغياب معايير المواطنة والديمقراطية، وسيادة أنظمة فاسدة رعت وترعى كل مظاهر الرذيلة والافلاس الأخلاقي والقيمي، لاهم لها سوى كرسي الحكم، والعبث بثروات البلاد؛ تاسعا اسقاط المفاهيم البالية والرثة تجاه المرأة، التي تنتقص من مكانتها ودورها كانسان كامل الحقوق والواجبات، وادانة كل المفاهيم الرجعية، التي تعتبر المرأة "عورة" او "ناقصة" عقل ودين. لان هذا مفاهيم تتعارض مع روح الدين، الذي كرم الانسان، بقوله تعالى " ان خلقنا الانسان في احسن تقويم" .. الخ من الدروس الهامة.
وانطلق الدكتور عبدالحسين في مناظراته من تجربة العراق، وطنه الام، وعمم اسئلته وعبره بحيث تشمل شعوب الامة العربية والشعوب الإسلامية، لانه في حواره الواسع والعميق مع السيد البغدادي لم يتوقف عند حدود العراق والشيعة، وان كان نصيبها كبيرا من الحوار فقط، انما جال على الطائفة السنية. لانها لصيقة الصلة بالطائفة التوأم، بغض النظر عن التنافر والصراع الذي أَصل له المرتدون والمستعمرون، وكلاهما رفض الانتقاص من أي مؤمن ومكانته واعتقاده.
كنت افضل ان تكون مناظرات المؤلف مع رجلي دين شيعي وسني، لتعميق عملية التلاقح والتكامل الإيجابي بين ممثلي الفرقتين او الطائفتين، بالإضافة لدوره من موقع المختلف. وبالنتيجة اعتقد، ان الكتاب حمل بين دفتيه كماً كبيرا من الإيجابيات الهامة، رد فيها شعبان على مظاهر وظواهر التشوه والافلاس الديني والفكري السياسي، وشكل برأي اسوة بمن كتب من المتنورين العرب في هذا الحقل خط دفاع متقدم عن الفكر التنويري، وعن الوحدة والتسامح ودولة المواطنة، وحمل معول هدم لقلاع التخلف والرجعية والفساد والاقصاء والتكفير والتخوين والتبعية، وفضح وعرى دور الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي التآمري والارهابي على العراق وشعوب الامة كلها وخاصة فلسطين، التي كان لها نصيب مميز في الكتاب.
[email protected]
[email protected]

مواضيع ذات صلة

كلمات مفتاحية

الأخبار

فن وثقافة

المزيد من الأخبار