اليوم: الاثنين    الموافق: 26/10/2020    الساعة: 01:48 صباحاً   يتوقيت القدس الشريف
آخـــر الأخبــار
فيس بوك
تويتر
Rss
عبد الكريم وجنان.. 18 عاما من الشوق
تاريخ ووقت الإضافة:
27/09/2020 [ 16:54 ]
عبد الكريم وجنان.. 18 عاما من الشوق

القدس عاصمة فلسطين/نابلس -دولة فلسطين- يامن نوباني-في لحظة انتظرتها 18 عاماً، لتتحقق، في زمن كان قاسيا وبطيئا للغاية، تحولت جنان سمارة (44 عاماً) إلى طفلة مرحة، وكأنها في سن الرابعة، ركضت تجاه عبد الكريم مخضر (49 عاماً) خطيبها المحرر ظهر اليوم، على حاجز الجلمة الاحتلالي غرب مدينة جنين.



ما أن نزلت أقدام مخضر من مركبة مصلحة سجون الاحتلال، حتى ارتفعت أصوات الزغاريد من قريبات الأسير وخطيبته، وصيحات العشرات ممن كانوا بانتظار اللحظة.



اجتاز مخضر بوابة الحاجز، مجتازا 18 عاما من الغياب القسري خلف قضبان الاحتلال، لتكون نظرته الأولى صوب "جنان" التي انتظرته بصبر الفلسطينيات وإرادتهن، في عناق اختلطت فيه الدموع والابتسامات، ليكملا معاً شراكة روحيهما في الحياة ومسيرتهما الزوجية.



في آخر محادثة هاتفية بينهما قال عبد الكريم: 'اشتريت لك فستانا، وتحيرت في هدية مباركة أسعد'.. ردت جنان بفرح: 'شكرا على هديتي، ومباركة أسعد نشتريها معا حين تعود من نابلس'.



كبر أسعد ابن شقيق جنان، وأصبح شابا في عامه الثامن عشر، وما زالت جنان تنتظر لحظة الإفراج عن خطيبها عبد الكريم من سجون الاحتلال ليباركا معا بميلاد أسعد.



تقول جنان، من بلدة بروقين غرب سلفيت: بعد تخرجي من جامعة القدس المفتوحة بعامين، جاء عبد الكريم مخضر وطلب يدي من عائلتي، وذلك في حزيران 2002، وكانت الانتفاضة الثانية في ذلك الوقت مشتعلة في الضفة الغربية، وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي تلاحق عبد الكريم بدعوى أنه يقوم بـ"نشاطات معادية"، ومطلوبا لقواتها، ونشرت اسمه وصورته على كافة نقاط التفتيش والحواجز العسكرية في شوارع الضفة الغربية.



تضيف: مع نهايات أيلول 2002، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من خطبتنا، كان عبد الكريم يستعد لمغادرة مدينة نابلس بعد منتصف الليل عبر طريق قرية تِل التي شهدت ارتقاء شهداء عديدين خلال السنوات الأولى من الانتفاضة، وعمليات ملاحقة للشبان وإذلال للأهالي الذين لم يكن أمامهم سوى هذه الطريق لدخول مدينة نابلس، حيث كانوا يسيرون على الأقدام لمسافة أكثر من ثلاث كيلومترات للوصول للمدينة.



كان عبد الكريم برفقة أخته حنان، التي لم يقو على تركها تعود لبيتهم في قرية عمورية جنوب نابلس، بعد وصولهما منتصف الطريق في ساعة متأخرة من الليل أوقفهما جيب احتلالي، ما أن دقق الضابط في بطاقة الهوية حتى انفجر بالضحك، قائلا: 'عبد الكريم مخضر' بنفسه جاي لعنا!



تنظر جنان إلى ساعة يدها، ثم تنتقل بنظرها إلى باب البيت الذي بدا ضيقا بعض الشيء، لكن الضوء حاضر من بين دفتيه. جنان أسيرة الوقت الذي يمر، وعبد الكريم أسير القضبان التي لم ترَ جيدا أن الوقت يمر، وتقول: منذ ذلك اليوم لم أصافح عبد الكريم، مرت 18 سنة على اعتقاله وتنقله بين جميع السجون الإسرائيلية. أزوره مرة في الشهر لمدة 45 دقيقة فقط، ويتم الحديث بيننا عبر سماعة الهاتف ويفصلنا زجاج مرئي، أراه ولا أقدر على مصافحته وملامسة تجاعيده وملامحه المتبدلة مع مرور الزمن.



تُقلب جنان بأصابعها رسائل ورقية، بعضها اهترأت لكثرة فتحها وإغلاقها، وبعضها ما زال جيدا فقد وصل حديثا، رسائل من شوق وحنين لا يكف عن الصراخ والمناداة في داخلهما، وتقول: جمعت طيلة الـ18 عاما الماضية مئات الرسائل التي دوما تصل متأخرة، نتبادل من خلالها مع عبد الكريم أخبارنا الشخصية والعائلية، وأمورا جدية وخاصة بنا وبمستقبلنا، سيقرأها ضابط السجن واللجنة المختصة بتقييم الرسائل والكشف عنها، حيث لا خصوصية لدى دولة الاحتلال التي تغتال أفراحنا الصغيرة والكبيرة، وتؤجل أجمل يوم لي، يوم زفافي إلى 18 عاما، بعد أن كان مقررا بعد عدة أشهر.



تقول جنان: يحدد في الزيارات ما يريده للبيت، ويحرص على أن يكون ملما بكافة تفاصيله الدقيقة، حتى أن القائمين على بنائه يصابون بالدهشة حين تخبرهم أن عبد الكريم طلب تغيير شيء فيه، ويقولون لها: كأنه هنا من كثرة ما يُلم بتفاصيل تفاصيل بيته.



وتشير جنان إلى أن عبد الكريم يخفي حزنه وحسرته على سنوات عمره خلف القضبان، ويتمتع بمعنويات عالية، لكنها تشعر بألمه في داخلها، فتقول: أزوره 45 دقيقة في الشهر ومن خلف زجاج أحيانا يكون ضبابيا كما في سجن 'أيالون'، وسماعة هاتف صوتها رديء، حيث أضطر أحيانا إلى إعادة الجملة مرتين وثلاثة كي يسمعها بشكل جيد، عدا عن حراس السجن الذين يقفون خلف الزائرين والأسرى بحيث تنعدم الخصوصية تماما، لم يبكِ أمامي طيلة 18 عاما، سوى مرتين: حين استشهد القائد ياسر عرفات، وحين توفيت أمه، وظل لفترة طويلة في وضع صحي ونفسي متردٍ جدا حدادا وحزنا على أمه، حيث قال لي في الزيارة الأولى التي تلت وفاتها: أتقبل كل شيء يحصل في الخارج إلا وفاة أمي وأنا بعيد عنها، وما زاد قهره هو عدم تمكنه من المشاركة في جنازتها ووداعها، وطلب صورا كثيرة لجنازتها ليودعها ولو بالصور.



وفي تفاصيل أخرى للقهر الذي يعانيه الأسرى وذويهم، تقول جنان: أصعب سجن بالنسبة للزيارات هو سجن 'نفحه' الصحراوي، حيث تشدد إدارة السجن بشكل ملحوظ على الزيارات ويتم فحص جميع الزائرين وهم عُراة بداخل غرف مخصصة للتفتيش بوجود مجندة، وهذا يغيظ الأسرى ويدفعهم للطلب من ذويهم عدم المجيء لزيارتهم أو تقليل عدد الزيارات كي لا يتعرضوا لإهانة التفتيش العاري، وأكثر من مرة طلب مني عبد الكريم ألا أزوره هناك.



تتابع جنان: يحب عبد الكريم الكنافة والجبنة، ويكره شهر أيلول مع أنه ولد فيه، فقد دخل السجن للمرة الأولى في أيلول 1991 ولمدة سنتين، ومات والده في أيلول، وجاء حبسه الثاني في أيلول! وصرت مثله لا أطيق أيلول أو طريق تل- نابلس. وغضب مني مرة حين أخبرته أني ذهبت إلى مكان عمله على قمة جبل طروجة الواقع بين عمورية واللبن الشرقية، حيث كان يحرس برجا لشركة جوال، وذلك بعد خمس سنوات من سجنه، وطلب مني ألا أعود إلى هناك أبدا، لأنه سيأخذني في أول مشوار بعد تحرره إلى هناك حيث كان يعمل ويسهر طيلة الليل لوحده، مع الأشجار والمناظر الطبيعية، ويرى بحر يافا حين يكون الجو صافيا، قال لي إن ذلك المكان مكانه ويعشق تفاصيله.



تجمع الحافلات والطرق إلى السجون الإسرائيلية ذوي الأسرى وتعرفهم ببعضهم، فتنشأ علاقات صداقة قوية تمتد إلى باقي أفراد العائلة، ترافقها زيارات متبادلة ومشاركة في الأتراح والأفراح، تقول جنان إنها تعرفت إلى أسرى وعائلات أسرى كثيرين خلال تنقلها بين السجون، وتنقل في كثير من الأحيان أخبارهم عبر ذويهم حين يكون على أحدهم منع من الزيارة، كما يطلب منها عبد الكريم زيارة عائلات أصدقائه الأسرى.



يدخل إيهاب شقيق جنان يحمل صور عبد الكريم، تحفظ جنان الصور في علبة مطرزة على شكل قلب حب، طرزها عبد الكريم ورفاقه في السجن، يكتب بداخله اسمها واسمه، وتخرج منها 'مسبحة' على كل حبة فيها كتب عبد الكريم اسم جنان وعلى الشاهدين اسمه، صور لعبد الكريم منذ عامه الأول في السجن حيث كان شابا يبلغ 31 عاما، ثم صورة تعقبها صورة ويبدأ العمر بالعد وتبدأ ملامح عبد الكريم بالتبدل في عامه الـ49.



تضيف جنان: وقف معي أهلي، وكانوا سندي، فصبرت على المحنة بالتقرب إلى الله والتحلي بالأمل والقوة. والرجل لا يُعاب بوطنيته، لذا انتظره منذ 18 عاما، لأنه رجل وطني.



لم تلبس جنان فستانها الذي اشتراه عبد الكريم قبل اعتقاله بساعات، مرت 18 سنة، وكبرت جنان على الفستان الذي بقي ذكرى حلوة ومرة من خطيبها، لكن عينيها لا تحيدان عن الفستان الأبيض الذي ينتظرها بقوة إصرارها وأملها يوم الثاني من تشرين أول القادم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
التعليقات
عدد التعليقات: 0
تقارير وتحقيقات
القدس عاصمة فلسطين/رام الله -دولة فلسطين- نديم علاوي-قبيل انتصاف الليل، في هدوء خريفي يخيم على قرية يتما التي تبعد 20 كم إلى الجنوب من نابلس، توقفت فجأة مركبة سوداء آتية من بعيد تعود للشاب صخر نجار بعد خلل حدث فيها فلا وقود والمركبة لم تعد تعمل.
تصويت
القائمة البريدية