اليوم: الثلاثاء    الموافق: 10/12/2019    الساعة: 21:05 مساءً   يتوقيت القدس الشريف
آخـــر الأخبــار
فيس بوك
تويتر
Rss
أزمة العقل العربي
تاريخ ووقت الإضافة:
16/06/2019 [ 06:59 ]
أزمة العقل العربي
بقلم: عمر حلمي الغول

نبض الحياة

القدس عاصمة فلسطين -وصلني بحث من الكاتب حسن العاص بعنوان "المونوفيجن الفكري .. أزمة العقل العربي"  بتاريخ 30 مايو / أيار الماضي (2019)، يحتوي البحث على 2947 كلمة، سطرها المغترب الفلسطيني في تعميق قراءته لإزمة العقل العربي، وحاول عبر الزج بكم من المقولات، والإستشهادات ( الإقتباسات) وإستحضار نماذج تاريخية من التجربة التاريخية العربية، لمنح شهادته الملتبسة، وأحادية الجانب القيمة الفكرية، أو الإسهام النظري الذي يطمح له.

لم يكن الكاتب حسن العاص الأول من بين من كتبوا حول أزمة العقل العربي، بل سبقه كثيرون من القامات الفكرية العربية، رغم انه حاول ان يميز نفسه من خلال أدواته المعرفية. وانا في هذة العجالة لا أدعي اني ساناقش البحث بالتفصيل، وردا على كل مقولة، انما ساحاول تكثيف ردي، بحيث اجيب على ما اراه من وجهة نظري معالجا ما حمله البحث من مغالطات، أو إسقاطات رغبوية غير موضوعية.

بعد المقدمة يجول الشاب حسن العاص على مفاصل وأسباب أزمة العقل العربي، وجلها تتجلى في نقطة مركزية واحدة، هي "الإقصاء"، فجاءت عناوينه الفرعية كالتالي: فلسفة الإقصاء؛ الإقصاء الديني؛ الإقصاء الثقافي؛ المونوفيجن العقلي؛ المخيال العربي والأقليات؛ الإقصاء في الإسلام. ومن الكلمة الأولى حتى آخر حرف غاص الكاتب في أزمة العقل العربي.

ويخطىء اي مفكر عربي ينكر وجود أزمة عميقة فكرية وسياسية ودينية وثقافية وإقتصادية وإجتماعية في المجتمعات العربية من مشرقها إلى مغربها. غير أن التأكيد على الأزمة، لا يعني التسليم بأن الأزمة تكمن في العقل العربي، وكأن العقل العربي ولد ميتا، وغير قادر على الإنتاج والإبداع. كما لا يجوز لإي كاتب أو باحث تجاوز الواقع الموضوعي وتداعياته على العقل العربي، وإرتدادته على تغييب المناخ الصحي لعملية المثاقفة الداخلية والخارجية. وايضا من الخطأ الفادح التنكر، وإغفال إسهام الفكر والعقل العربي في إغناء العلوم الإنسانية بمستوياتها المختلفة، فلولا إسهامات العرب والمسلمين في علوم الطب والفلك والهندسة والكيمياء والرياضيات عموما والجبر خصوصا .. إلخ لما تمكنت أوروبا بالتحديد والعالم عامة من النهضة، التي تعيشها، وبالتالي الركود والأزمة المعرفية والإبداعية في المجتمعات العربية، ليست أصيلة، وانما طارئة ومشروطة بجملة من العوامل، اهمها العامل الموضوعي، الذي لعب دورا حاسما ومقررا في آن، دون إنكار او التغاضي عن قصور وتخاذل العامل الذاتي.

ودون الغوص في نقاط الباحث المتعددة، وبالتركيز على ابرز المفاصل، فإن عامل الإقصاء، موجود في كل المجتمعات الإنسانية وفي كل المحطات التاريخية، وليس محصورا في المجتمعات العربية. ولو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر المجتمع الأميركي، والمجتمعات الأوروبية والروسية والصينية وغيرها، ماذا نجد؟ ألآ نرى بالعين المجردة عمليات الإقصاء الدينية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية والفكرية والعرقية ووفق السمات الخاصة بتطور هذة المجتمعات؟ لماذا تقتصر الرؤية على  المشهد العربي، وتضخيم أزماته، وغض النظر عن المجتمعات البشرية الأخرى؟ ولماذا تم لي عنق الحقيقة، وحصر التشوة المقصود في العقل العربي، الذي كان له الفضل الكبير في تطور العلوم والحضارة الإنسانية؟ ولماذا لم تقرأ المشهد بهدوء وموضوعية علمية للخروج بإستخلاصات واقعية، وإسهامات تغني الموضوع؟ وهل المطلوب من قبل البعض لتأكيد "موضوعيته"، ان يمارس جلد الذات العربية صباح مساء لغايات غامضة وملتبسة؟

العقل العربي، هو عقل منتج ومبدع وخلاق، وقادر على الإسهام في مختلف حقول العلم والمعرفة، وفي مختلف الأزمان والعصور والحقب، ومن يعود لتسليط الضوء على الكفاءات العربية دون تمييز في وكالة الفضاء الأميركية، وفي الذرة، والطب، والفيزياء والكيمياء والهندسة، وثورة الإتصالات والمعلومات،  والإقتصاد، والعلوم الإجتماعية سيجد المئات وعشرات الآلاف من العقول العربية المنتشرة في فضاء العالم كله. لإن الدول العربية غير قادرة على إستيعاب هذة الكفاءات، وأغلقت الأبواب امامها، مما إضطرها للبحث عن الذات في عوالم أخرى، ووجدت نفسها في الدول المتطورة، ومن بقي في الأوطان العربية، بقي اسير الواقع البائس، الدولة الوحيدة وبشكل إستثنائي، التي بحثت عن العقول والكفاءات العربية وجلبتها للأرض العربية، هي العراق زمن الراحل صدام حسين، ثم قامت اجهزة الأمن الأميركية والإسرائيلية بملاحقة تلك العقول، وإغتالت من إغتالت منهم، ومن قبل التعامل بقي على قيد الحياة.

وردا على مقولة الكاتب الأميركي، فرانك هربرت: التي تقول "لم يخلق الناس سواسية، وهذا اصل فساد المجتمع"، التي يستشهد بها الكاتب، وأعود لإسأله، كيف يمكن لك ان تتعامل مع هذة المقولة؟ وهل تنطبق مقولته فقط على المجتمعات العربية؟ وأليست التناقضات، وعدم المساواة قائمة وموجودة منذ عصر الأسياد والعبيد؟ وكيف تطورت المجتمعات الأخرى، رغم الفساد؟ أو بتعبير آخر، هل الفساد حال دون التطور البشرية؟ ألم يكن الفساد ملازما لحياة المجتمعات البشرية؟ أم ان أفلاطون تمكن، ونحن لا نعلم من بناء دولته الفاضلة؟ اضف إلى ان مقولة الكاتب هربرت غير دقيقة، لإن للفساد ابواب ومجالات مختلفة، قد يكون عدم المساواة احدها، لكنها ليست سوى جزيئة ضيقة جدا في ما ذهبت إليه.

وعن المونوفيجن الفكري، الذي لا يمكن إعتباره إسهاما للكاتب العاص، لإن ضعف النظر لا يلغي إبداع العقل، فهذا طه حسين، ابدع وهو لا يرى، وكُّثر هم العلماء في ميادين العلم المختلفة، الذين لديهم إعاقات وأنتجوا معارف عظيمة، ولديهم براءات إختراع عبقرية. وبالتالي المقاربة بين ضعف النظر، وضعف العقل، وتراجعه عن العطاء فيها مجافاة للحقيقة، وإغتراب، وإسقاط رغبوي لخدمة إستنتاج بعينه،  ولإن العقل العربي لم يصل إلى حد العجز، ومازال فتيا، ومبدعا، ولكن المشكلة ليست في العقل، بل في المنظومة المحيطة به، والحاضنة له، التي لم تسلط الضوء عليها بشكل عميق وموسع، هي الأنظمة الإستبدادية تاريخيا وحاضرا، التي اعاقت العقل العربي، وايضا الإستعمار الغربي والصهيوني اللذين لعبا دورا مهما في حرف بوصلة المجتمعات العربية، وقتلت، أو إختطفت الكم الكبير من الكفاءات المبدعة لسوق عملها.

وباختصار حول حرب "داعس والغبراء" وغيرها من الظواهر، كإسم شهر "صفر" من الواضح ان الكاتب، الذي يعيش في اوروبا لم يقرأ تاريخها، ولا تاريخ شعوبها، ولا حروب ال30 عاما، والمئة عام، ولم يتوقف أمام إقامة كنيسة جديدة مشتقة من الديانة المسيحية كالكنيسة البروتستانتية ( الأنجليكانية) وخلفية نشوئها...أتعلم السبب، أم اوضحه مجددا، انه يعود لهدف ذاتي وشخصي قاده هنري الثامن في إنجلترا، الذي شق الكنيسة الأنكليزية عن الكنيسة الكاثوليكية في روما لتبرير زيجاته الست، حتى يتمكن من إنجاب ولد ذكر ليخلفه في الحكم ليحافظ على أسرة تيودور...  إلخ من الظواهر، التي لا تخطر على بال. ولم اشأ التوقف امام الديانة اليهودية وإسرائيل وتخلفها، وعقمها وبؤسها، ورغم ذلك لم تتأثر العقول المبدعة في اوساط اليهود بالظواهر السلبية والمعيقة، ولم تنم على وسائد الخمول، والعقل العربي مازال يافعا، ومنتجا، رغم كل عوامل التهميش والإقصاء، التي يعاني منها.

شكرا للجهد الذي بذله الباحث حسن العاص، رغم مجافاته للحقيقة، وخانته الفطنة في تقديم قراءة موضوعية وإبداعية، وتخلق مقاربة أكثر إنسجاما مع مركبات الواقع العربي في سيرورته وصيرورته.  

[email protected]

[email protected]          

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
التعليقات
عدد التعليقات: 0
مقالات وآراء
تقارير وتحقيقات
القدس عاصمة فلسطين/ رام الله -دولة فلسطين- علاء حنتش-في العاشر من كانون أول عام 1948 اعتمدت الهيئة العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ذات العام الذي بدأت فيه نكبة الشعب الفسطيني، وهجر من بلداته وقراه وحرم من أبسط حقوقه،
تصويت
بعد صمود الرئيس الاسطوري في وجه ما تسرب من معلومات حول ما يسمى بــ " صفقة القرن "- هل تتوقع ؟
تراجع أمريكا عن الاعلان عنها
تعديل بعض بنودها وخاصة فيما يتعلق بالقدس
الاعلان عنها بدون تعديل وتحدي المجتمع الدولي
لا اعرف
انتهت فترة التصويت
القائمة البريدية